إقرأ في مجلة الزهراء في العدد 48 :


- افتتاحية الزهراء

- أيها الشخص العظيم (الحلقة الثانية) بقلم معلمة الحوزة أم عزيز الصفار

- أفتؤمنون ببعض الكتاب!! بقلم نرجس المسلم


- تحت العشرين

- علينا بالوحدة لا التفرقة بقلم سلوى الدريع

- إنما يتقبل الله من المتقين بقلم زينب محمد الصايغ

- وهو معكم أينما كنتم بقلم ليلى جاسم بوحمد

- شبيه الحسين يحيى بن زكريا (ص) بقلم أمينة عبدالرسول


- شخصيات نسائية

- بنات الزهراء (ع) (الحلقة الأولى) بقلم غنيمة المسلم


- أبناء الفجر

- قرآن على الأرض (الحلقة الثانية) بقلم عمار وجيه السليمي

- من عاشق الأوحد إعداد محمد فاضل

- دروس من آثار خادم الشريعة (الحلقة الثالثة) بقلم عبدالله حيدر الصفار




  بنات الزهراء (ع) (الحلقة الأولى)

  بقلم غنيمة المسلم

بينا بساط العشاء ممدود التف حوله ثلة من العرب البسطاء يطعمون ويلتذون بما قدمه سيد بني مخزوم (أبو حذيفة) وقف رجل غريب من بعيد بدت عليه آثار التعب والإرهاق والجوع، وأخذت عينيه تذرع البساط طولاً وعرضاً من شدة جوعه لكنه لم يقترب لفرط حيائه، فتقدم منه سيد القوم (أبو حذيفة) بكل تواضع وأدب قائلاً له: تفضل يا أخا العرب.

حاول الرجل الغريب أن يشكره إلا أن الكلمات كانت تخونه فقد كان على قدر كبير من الخجل مما جعل (أبو حذيفة) يشفق عليه ويكرر عليه العرض بإلحاح حتى أخذه من يديه وأجلسه، والرجل الغريب يلفه حياء عظيم وعيناه تجولان يمنة ويسرة وقد وجد الخلق في شأن غير شأنه، فمد يده والتقط بضع لقيمات ووضعها في فمه ونهض بعدها على عجل ولم يكد يرفع عيناه حتى تصطدم بعيني مضيفه الكريم الذي أخذ يتابعه بنظرات الدهشة لما بدا منه من غريب الأطوار والأحوال، فخطواته مترددة حائرة، فما كان من (أبو حذيفة) إلا أن تقدم منه مستفسراً: يبدو لي أنك غريب؟ فأجابه الغريب قائلاً: نعم سيدي فأنا من بلاد اليمن واسمي (ياسر). يرد عليه (أبو حذيفة) في بشر: لست غريب يا (ياسر)، فأنت جار لنا ولا داعي لهذا الخجل والحيرة.

يبتسم (ياسر) في خجل ويقول: سيدي أشكرك على اهتمامك وطيب كلامك ولا تلمني على حيرتي، فقد ودعت أخوتي وأخبرتهم أني عقدت العزم على البقاء في مكة التي طالما سمعت أنها دار أمن واستقرار لا يأتيها الخوف من بين يديها ولا من خلفها، ولكن بعد رحيلهم أدركت أني أخطات في قراري فلا أعلم إلى أين أمضي أو إلى أي جهة أسير؟

ربت (أبو حذيفة) على كتفي (ياسر) مطمئناً إياه: لا تقل ذلك يا رجل لقد كان قرارك صائباً، وأنت ضيفنا ولك علينا حق الاستضافة.

سرّ (ياسر) باستضافة سيد القوم (أبو حذيفة) الذي لم يدخر جهداً في إقناع قومه بني مخزوم ليكون ياسر حليفا لهم، وكان له ما أراد.. فوافق القوم على طلب سيدهم وصار (ياسر) مخزومياً له ما لبني مخزوم من حقوق وعليه ما عليهم من واجبات.

عاش بعدها (ياسر) مع بني مخزوم عيشة هنيئة، فقد أحبه الجميع وودوه لما وجدوا فيه من صلاح وعفة وصدق وأمانه بسبب رجاحة عقله وطيب قلبه، مما ترك الأثر الطيب في نفوس الجميع خاصة (أبو حذيفة) الذي فكر طويلاً كيف يؤنس وحشة هذا الغريب ويعينه على غربته، فلم يجد أفضل من أن يزوجه بزوجة صالحة تهبه الأولاد الصالحين حتى تقر بهم عيونه، فاختار أفضل إمائه هي (سمية) والتي جمعت بين بداعة المنظر ولطافة الجوهر، كانت مليحة الوجه شفوقة القلب، جعلت (ياسر) يقبل عليها بحسه وعواطفه، فطابت له وفرح بها، فتفانى في توفير أسباب الراحة والأمان لها، فبدى ضنيناً بها غاية الضن في محاولة منه أن يبعدها عن ذل المخالطة والمهانة، وفي مقابل ذلك سخرت (سمية) كل جهدها وطاقتها لإرضاء زوجها العزيز بنفس راضية وقلب محب، واكتملت سعادة الزوجين بحدث سعيد أخذا يترقبان وصوله بفارغ الصبر، إن لهذا الجنين المنتظر شأن من الشأن.. هذا ما توقعته (سمية).

فما أن علم (أبو حذيفة) بأمر طفل (ياسر) المرتقب حتى منحه الحرية قائلاً لوالده:أن كل ولد تلده (سمية) إن كان ولداً أو بنتاً فهو من الأحرار. فأيقنت (سمية) بروحها الشفافة الطاهرة أن الطفل الذي حملته بين أحشائها طفل كريم وسعيد، فالبشارات أخذت تتوالى عليها قبل مولده كما أن الله منّ عليه بالحرية قبل نزوله لهذه الدنيا.. فهو سيد لا محالة.

مضت الأيام تباعاً ووضعت (سمية) طفلها الحبيب، فاختار له (ياسر) اسم (عمار) وفرحت الأم بوليدها الذي كانت ترعاه ليلاً ونهارا لا تفارقه أبداً وقد منحته نفسها ووقتها وحياتها.. كبر (عمار) وأخذ يحبو خارج الدار وقلب (سمية) يكاد يطير فرحاً، لكن المخاوف أخذت تتسرب إلى نفسها، فالخطر كان يترصد به خارج الدار.. خطر الفوضى والتهتك والانحراف الذي كان عليه العرب والعالم الإنساني بأسره، فقد كان الناس يعيشون مرحلة مظلمة انتشرت فيها عبادة الطاغوت والذات والنار فتفشى الظلم والطغيان والفساد، فالناس محبوسين في مضائق مظلمة وخطرة كان قد صنعها الكهنة والسحرة والمشعوذون فباتت نيران الحروب وشرارات الفتن تفتك بهم وقد انتشرت بين العرب كل فسق وفجور واستمرءوا عيشة الذل والخضوع، فقامت (سمية) توجه طفلها أن يرفض الظلم والانحراف بأي شكل كان لأنها أرادته أن يكون حراً على الحقيقة، وألا يقدم على عملٍ وليد رغبة أو شهوة، فدلته على الطريق المستقيم قائلة له: أي بني. يجب أن يكون كل عمل تريد أن تقدم عليه مطابقاً لعقلك لا لبطنك أو فرجك. وهكذا تفتحت مدارك (عمار) في بيئة حرة طليقة فحمل الطهارة الظاهرية إضافة إلى ما حمله من طهارة ذاتية، فتفتحت مواهبه الإنسانية بكل سهولة ويسر ونمت قواه العقلية والإيمانية بصورة صحيحة، فلم تؤثر فيه بيئته الفاسدة وأترابه الفسقة الذين لم يعرفوا غير هتك الحرمات وإراقة الدماء، كما كان يحاول أن يرشدهم على طريق الصلاح إلا أنهم صموا آذانهم عن الهدى والصواب، فكان يرجع حزيناً مهموماً باثاً حزنه وشكواه إلى والديه الصالحين واللذان كانا يصبرانه على المحنة التي يمر بها، إلى أن فاجأه والده يوماً بسر لم يبحه لأحد فقال له: يا بني. إن ما تروم له من دين قويم وأخلاق شريفة لا يحمله إلا بنو هاشم فقد سمعت أنهم على دين جدهم إبراهيم وهنا أشرق وجه (عمار) بشراً، وأخذ يكرر على والده أن يحدثه عن هذا الدين الذي يدين به آل هاشم فقال له والده: لا أخفيك الأمر فلست على دراية تامة بذلك الدين، إلا أنني وجدت آل هاشم يبتعدون عن الأرجاس والأنجاس لا يسجدون لأسافة ونائلة، ويرفضون الظلم بكل أنواعه وينتظرون أن يخرج نبي جديد يحمل رسالة إلهية جديدة تدعو إلى ما دعا إليه نبي الله إبراهيم (ع)، هذا و(سمية) تتابع ما يدور من نقاش في شغف واهتمام، لكنها لم تطلع أحداً على ما يدور بخلدها من انتظار لذلك النور المرتقب.

تم تقييم هذا الموضوع [1] مرة والتقييم العام هو [5] تم تصفح هذا الموضوع [466] مرة 

أرسل برأيك إلى غنيمة المسلم عن هذا الموضوع "بنات الزهراء (ع) (الحلقة الأولى)"


إسمك
بريدك الإلكتروني
إعادة بريدك الإلكتروني
تعليقك


 

الأولى |  الإفتتاحية  |  ملف العدد  |  الملف الثقافي  |  مجلة الزهراء  |  الملف الإجتماعي  |  الملف الديني  | خريطة العدد 
 الغاية |  مراجعنا العظام وعلماؤنا الأعلام |  أخبر صديق |  البريد

© 2001-2017 جميع الحقوق محفوظة لمجلة الفجر الصادق